
القاعدة السادسة والثلاثون
طريقة القرآن: إباحة الاقتصاص من المعتدي ومقابلته بمثل عدوانه، والنهي عن ظلمه، والندب إلى العفو والإحسان
الشيخ: هذه ثلاث حالات: اقتصاص جائز، ظلم ممنوع، عفو وإحسان مطلوب، لكن هذا الأخير يجب أن يُقَيَّد بما إذا كان فيه إصلاح؛ لأن الله يقول: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، أما لو كان رجل مجرم فعل جريمته وقلنا: عفونا عنك، قال: الله يعافيكم، فأخذ العصا وذهب يضرب الناس، إحنا عفونا عنه في الأول عن ضربنا، فلما عفونا عنه ذهب يضرب الناس، هل في عفونا هذا إصلاح؟ لا.ولهذا يجب في هذه المسائل أن ينظر الإنسان إلى الأمور بعين العقل لا بعين العاطفة، يأتي رجل متهور مثلًا ويدعس لك ابن أو أخ يجيئه الناس اللي عقولهم بعيونهم فقط يصيحون عليك: ارحم هذا الرّجَّال، أعتقه له أولاد له كذا، له كذا، ويأتون بما يرقق النفس للعفو عن هذا الرجل لكن ما يعلمون إن هذا الرجل لو عفونا عنه الآن لأتانا ببلية في آخر النهار، فهذا ليس أهلًا للعفو.فكل الآيات، بل كل النصوص التي تَحُثُّ على العفو يجب أن تكون مقيدة بقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]؛ لأنه إذا لم يكن في العفو إصلاح، كان ظلمًا، والظلم ممنوع.فصارت الأحوال ثلاثة: قصاص، وعفو، وظلم، فالظلم ممنوع، والعفو مندوب، والقصاص جائز مباح.***
الطالب:وهذا في آيات كثيرة كقوله: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]، ووَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠]، فذكر المراتب الثلاث.ولما كان القتال في المسجد الحرام محرَّمًا، قال تعالى: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة: ١٩١ - ١٩٤] وهو كل ما حرمه الله وأمر باحترامه، فمن انتهكه فقد أباح الله الاقتصاص منه، بقدر ما اعْتَدى به لا أكثر.وقوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: ١٩٤]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى [البقرة: ١٧٨] الآية، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] الآية، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [الإسراء: ٣٣]، لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨] الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة والله أعلم.الشيخ: قوله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًاهل هو سلطان كوني أو شرعي؟طلبة: شرعي.الشيخ: شرعيٌّ قطعًا، وربما كونيٌّ أيضًا؛ بأن يُيَسِّرُ الله عز وجل العثور على هذا القاتل فيُقْتَل؛ ولهذا يقول العامة: القاتل مقتول ولو بعد حين؛ لأن الله يقول: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا، ويدل على هذا أنه شامل للسلطان الكوني والشرعي.قوله: فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِيعني: كأن الأمر مفروغ منه، وأن هذا القاتل لا بد أن يُقْتَل، لكن لا يسرف الوليُّ في قتله، ولا يتجاوز ويتعدى.***
القاعدة السابعة والثلاثون
اعتبر الله القصد والإرادة في ترتب الأحكام على أعمال العباد
وهذا الأصل العظيم: صرَّح به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .والمقصود هنا: أنه ورد آياتٌ كثيرة جدًّا في هذا الأصل؛ فمنها، وهو أعظمها: أنه رَتَّب حصولَ الأجر العظيم على الأعمال بإرادة وجهه لما ذكر الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس؛ قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤].الشيخ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤]، فالآمر بهذه الأشياء في قوله: خَيْرَ، وهو الذي تَرَتَّب عليه من المعروف، والثاني صدقة والإصلاح بين الناس، لكن ثواب الآخرة ما يأتي إلا بالنيَّة الخالصة.وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤]، أما مَنْ يفعله رياء وسمعة -والعياذ بالله- فإنه وإن ترتب على فعله الخير وحصل الإصلاح والصدقة فإنه لا يُؤْتَى عليه أجرًا عظيمًا.***
الطالب: وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٦٥]، وفي مقابله قال: رِئَاءَ النَّاسِ [البقرة: ٢٦٤].ووصف الله نبيَّه وخيارَ خلقِه من الصحابة رضي الله عنهم بأنهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى في الرجعة: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة: ٢٢٨]، لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء: ١٢]، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: ٤]، لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩]، وقال تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح [البقرة: ٢٢٠]، وفي دعاء المؤمنين رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] «قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ» ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥].وذكر الله قتل الخطأ ورتَّب عليه الديَة والكفارة؛ ثم قال: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، وقال في الصَّيْد: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥] الآية، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان صِحَّتُها وفسادُها وترتُّبُ أَجْرِها أو وِزْرِها بحسب ما قام بالقلب.الشيخ: الله أعلم.طالب: لكن ما هو الضابط يا شيخ الذي يَتَرَتَّب عليه إثم التَّشَبُّه بالكفار؛ مرَّ علينا أنه يحصل سواء قصد التشبه أو لا قصد، وفي كثير من الأمور..الشيخ: لأن هذا المحرم بمجرد صورته يَثْبُت حكمه.طالب: المحرم؟الشيخ: إي نعم، المحرم، فمثلًا لو زنا الإنسان (...) الزنا مثلًا.***
القاعدة الثامنة والثلاثون
قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه ومن تشوقت نفسه لأمر من الأمور إيجابًا أو استحبابًا
وهذه قاعدة لطيفة، اعتبرها الباري وأرشد عباده إليها في عدة آيات؛ منها: الْمُطَلَّقَة: فإنه لما كانت في الغالب مُنْكَسِرة القلب حزينة على فراق بَعْلِها، أمر الله بِمُتْعَتِها على الْمُوسِع قَدَرُه وعلى المُقْتِر قَدَرُه متاعًا بالمعروف.وكذلك من مات زوجها عنها؛ فإن من تمام جبر خاطرها أن تمكث عند أهله سنة كاملة وصية ومتعة مرغب فيها.وكذلك أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إذا كانت رجعية، أو كانت حاملًا مطلقة.وقال تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء: ٨].ويدخل الواجب والمستحب في مثل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: ١٤١].وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة..الشيخ: وذلك لأن يوم الحصاد يحضر الفقراء في الغالب فكان إعطاؤهم مناسبًا جدًّا؛ لأنك أنت تحصد الزرع وتكدسه وتدخره فينبغي أن لا تحرم هؤلاء الفقراء منه.***
الطالب: وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليَصْرِمُنَّها مصبحين، وتواصَوْا ألا يَدْخُلَنَّها اليوم عليكم مسكين، وقال تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِإلى قوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦].الشيخ: المهم أن قوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ؛ لأنه إذا بلغت الأم والأب الكبر ضعفت نفوسهما ورقَّت واحتاجا إلى مَنْ يرحمهما هذا من وجه، من وجه آخر إذا بلغا الكِبَر فإن الإنسان يَمَلُّ منهما، ويتعب ويحتاج أن يوصى بهما خيرًا في مثل هذه الحال.***
الطالب: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وقد ذكر الله جَبْرَه لقلوب أنبيائه وأصفيائه أوقات الشدات، وإجابته لأدعيتهم أوقات الحاجات والضرورات، وأمر عباده بانتظار الفرج عند الأزمات، فهذا أصل قد اعتبره الله، وأرشد إليه، فينبغي للعبد أن يكون على باله في وقت المناسبات ويعتبره عند وجود سببه.الشيخ: وأظن هذا واضحًا، وهذا من الآداب العالية والخصال الحميدة إن عندما تجد الإنسان منكسر القلب إما بفوات محبوب أو غير ذلك، فينبغي أن تُدْخل عليه الفرح والسرور، وتهون عليه المصيبة بتذكيره بما هو أعظم، فإذا تلف له بعض ماله تقول: إن من الناس من تلفت لهم أموالهم كلها، وإذا أصيب بمرض في عينه تقول إن بعض الناس قد يصاب بالعمى، وهكذا حتى تخفف عليه الأمور، ومن ذلك ما مر علينا من تعزية المصاب.***
القاعدة التاسعة والثلاثون
في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية
طريقة القرآن في هذا أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية، وإلى دفع المفاسد، ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وإخباره عن المؤمنين أن أمرهم شورى بينهم، فالأمر مفرد مضاف إلى المؤمنين، وفي الآية الأولى: قد دخلت عليه (أل) المفيدة للعموم والاستغراق، يعني: أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم واستجلاب مصالحهم، واستدفاع مضارهم مُعَلَّقٌ بالشورى، والتراود على تعيين الأمر الذي يجرون عليه.وقد اتفق العقلاء أن الطريق الوحيد للصلاح الديني والدنيوي هو طريق الشورى؛ فالمسلمون قد أرشدهم الله إلى أن يهتدوا إلى مصالحهم وكيفية الوصول إليها بإعمال أفكارهم مجتمعة، فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعينت المضرة في طريق تركوه، وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة نظروا أيهما أقوى وأجلى وأحسن عاقبة، وإذا رأوا أمرا من الأمور هو المصلحة ولكن ليست أسبابه عتيدة عندهم ولا لهم قدرة عليها نظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب، وبأي حالة تنال على وجه لا يضر، وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاستعداد بالفنون الحديثة والاختراعات الباهرة سَعَوْا لذلك بحسب اقتدارهم، ولم يملكهم اليأس والاتكال على غيرهم الملقي إلى التهلكة، وإذا عرفوا -وقد عرفوا- أن السعي لاتفاق الكلمة وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم للقوة المعنوية جَدُّوا في هذا واجتهدوا، وإذا رأوا المصلحة في المقاومة والمهاجمة، أو في المسالمة والمدافعة بحسب الإمكان، سلكوا ما تعينت مصلحته. فيُقْدِمون في موضع الإقدام، ويحجمون في موضع الإحجام.وبالجملة لا يدعون مصلحة داخلية، ولا خارجية، دقيقة ولا جليلة إلا تشاورُوا فيها، وفي طريق تحصيلها وتنميتها، ودفع ما يضادها وينقصها.فهذا النظام العجيب الذي أرشد إليه القرآن هو النظام الذي يصلح في كل زمان ومكان وفي كل أمة ضعيفة أو قوية، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] فهذه الآية نص صريح بوجوب الاستعداد للأعداء بما استطاعه المسلمون من قوة عقلية ومعنوية ومادية مما لا يمكن حصر أفراده، وفي كل وقت يَتَعَيَّن سلوكُ ما يلائم ذلك الوقت ويناسبه.ومن ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: ٧١] ونحوها من الآيات التي أرشد الله فيها إلى التحرز من الأعداء، فكل طريق وسبب يتحرز به من الأعداء فإنه داخل في هذا، ولكل وقت لَبُوسُه.ومن عجيب ما نبَّه عليه القرآن من النظام الوحيد أن الله عاتب المؤمنين بقوله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤]؛ فأرشد عباده إلى أنه ينبغي أن يكونوا بحالة من جريان الأمور على طرقها لا يزعزعهم عنها فَقْدُ رئيس وإن عَظُمَ، وما ذاك إلا بأن يستعدوا لكل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية بِعِدَّةِ أناس إذا فُقِدَ أحدُهم قام به غيره، وأن تكون الأمة متوحدة في إرادتها وعزمها ومقاصدها وجميع شؤونها، قصدهم جميعًا أن تكون كلمة الله هي العليا وأن تقوم جميع الأمور بحسب قدرتهم، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، [التغابن: الآية١٦]، أي: اتقوا غضبه وعقابه بالقيام بما أمر به من كل ما فيه الخير والصلاح لكم جماعة ومنفردين، فكل مصلحة أمر الله بها -وهي متوقفة في حصولها أو في كمالها على أمر من الأمور السابقة أو اللاحقة- فإنه يجب تحصيلها بحسب الاستطاعة، فلا يكلفهم الله ما لا يطيقون.وكذلك كل مفسدة ومضرة لا يمكن اجتنابها إلا بسلوك بعض الطرق السابقة واللاحقة فإنها داخلة في تقوى الله تعالى، وذلك أن لازم الحق حق، والوسائل لها أحكام المقاصد.ومن الآيات الجامعة في السياسة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا [النساء: ٥٨].الشيخ: (...) نرى الآن شيئًا؛ الشورى بأن تجتمع الأمة وتتشاور في أمورها الداخلية والخارجية؛ لأنه إذا صَدَر الأمر من الشورى لم يكن رأيًا واحدًا، بل كان عدة آراء، ومن المعلوم أن عدة الآراء أقرب إلى الصواب من الرأي الواحد، بل إن الإنسان أحيانًا إذا كُرِّرَ الأمر ونظر يتبين له خطأ الرأي الأول الذي كان عنده لأول مرة، أليس كذلك؟أحيانًا ينفذ شيئًا ثم يقول: ليتني لم أنفذه، ليتني بقيت أتروى في الأمر وأنظر، حتى يكون الحكم على يقين وتُؤَدَة، هذا وهو إنسان واحد يجد من نفسه أنه كلما كرر الأمر ونظر فيه كان إلى الصواب أقرب، فكيف إذا كانوا جماعة؟ ولكن المشكل في زمننا هو أنك لا تكاد تجد شخصًا حسن النية مخلصًا وهذه هي البلية، يعني: لا تكاد تجد إنسانًا يتكلم في الأمور في أمور السياسة الداخلية والخارجية وهو يقصد مصلحة الأمة، وهذا هو الذي يدعو الإنسان أن يَتَحَيَّر أحيانًا، ويقول: ماذا تنفع الشورى، وكل واحد من هؤلاء المتشاورين لا يسعى إلا لمصلحته الخاصة؟ولهذا تأمل أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، (أَمْرُهُم) يعني: ينظرون إلى هذا الأمر، وهو أمر الجميع ليس أمرًا خاصًّا، فهذا هو الذي يوجب أن يقول القائل: كيف يمكن أن نحصل على مجلس شورى؟ وأين من نَثِقُ بدينه وأمانته ونصحه؟ هذا قليل.لو وجدنا شخصًا جيِّدًا في الرأي والتدبير، لكنه قد يكون خائنًا من حيث الأمانة، ولو وجدنا أمينًا مخلصًا فقد يكون ضعيفًا من جهة الرأي والتفكير، فأمر الشورى لا شك أنه خير، ولكن مشكلته أنك لا تكاد تجد مَنْ هو أهلٌ للشورى.الأمر الثاني مما أشار إليه الشيخ رحمه الله أنه ينبغي للناس أن يَعْتَزُّوا بأنفسهم لا بقُوَّاِدهم، وأن يعتقد كل واحد أنه نفس ذلك القائد؛ لأنهم إذا جعلوا القيادة لواحد حقيقة وظاهرًا وتصرفًا فإنها تَهُن نفوسُهم إذا فُقد ذلك الواحد، وقد أرشد الله إلى ذلك في قوله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤]. هل إذا مات محمد صلى الله عليه وسلم ما يبقى لكم بقية على الإسلام؟ هذا ليس بصحيح.وهكذا ينبغي لنا أن لا نُرَكِّزَ على الرئيس الواحد، بل نعتقد أننا كلنا قائم مقام هذا الرجل حتى لا نَفْقِدَه إذا فُقد، وأن نجعل العمل سائرًا على ما هو عليه، وهذان أمران مهمان؛ ولهذا يُذْكَر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا رأى قائدًا قد ركبه الناس وغروا به فإنه يعزله لسببين:السبب الأول: أن لا يتكل الناس عليه.والسبب الثاني: طردًا لإعجابه بنفسه وارتفاعه وتعاليه وتَكَبُّرِه، فهذه أيضًا مهمة جدًّا؛ ولهذا نسمع عن بعض الخطباء من رؤساء العرب الذين ملكوا القلوب في وقتهم يقول: أنا لست فلانًا -ويُسَمِّي نفسه- ولكنكم كلكم فلان، شوف كيف التربية؟! كلكم فلان، يعني: أنه إذا كانت سياستي قد أعجبتكم وأنها محل إعجابكم فلا ينبغي أن تجعلوني أنا أتصرف تصرُّفًا شخصيًّا، ولكن اجعلوا أنفسكم كلكم أنتم ذلك الرجل، والآية الكريمة التي ذكرها الشيخ تشير إلى هذا.***
الطالب:ومن الآيات الجامعة في السياسة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨] (...). الأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة؛ مِنْ أَجَلِّها الولايات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة الدينية والدنيوية؛ فقد أمر الله أن تُؤَدَّى إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكِفّاء لها وكل ولاية..الشيخ: الأكِفّاء؟!الطالب: بأن يجعل فيها الأكْفاء.الشيخ: لأن الأكِفّاء جمع كفيف.الطالب: بأن يجعل فيها الأكْفاء لها.طالب: كأن فيه أمرًا ثالثًا (...).الشيخ: فيما سبق؟ ما هو؟الطالب: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال: ٦٠].الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا من المهم وهو إعداد القوة للأعداء، وتأمل قوله تعالى: مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] تجد أنها نكرة في سياق الإثبات وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، لكنها لا تتعين بقوة معينة، فإذا كان أعداؤنا يحاربوننا بالسلاح فإعداد القوة أن يكون بالسلاح، إذا كانوا يحاربوننا بالأفكار فإعداد القوة أن يكون بالأفكار، وأن ندرس أفكارهم هذه لِنَرُدَّ عليها؛ لأننا لا يمكن أن نعرف الباطل حتى نقرأه ونعلمه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» ، فادرس أحوالهم أنت لو أردت أن تَرُدَّ على صاحب باطل وأنت لا تعرف باطله، هل يمكن أن تَرُدَّ عليه؟ أبدًا، اعرف الباطل لِتَرُدَّ عليه.وهذه طريقة العلماء، فشيخ الإسلام رحمه الله لماذا فَنَّد أقوالَ الفلاسفة والمناطقة والمتكلمين؟ لأنه كان درس هذه الأشياء وعرفها.فالمهم أن قوله تعالى: مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] نكرة لا يتعين في قوة معينة، فأي سلاح يغزوننا به، فإننا نعد لهم ما نستطيع من هذه القوة، وعلى هذا فإذا غزونا بالأخلاق أو بالأفكار أو بالسلاح يجب أن نستعد لهم بكل هذه الأمور الثلاثة حتى يمكن أن نقابلهم.طالب: شيخ، هل يشترط مَثَلُ السلاح؟الشيخ: أكثر بعد، يجب أكثر.الطالب: وإن لم نستطع؟الشيخ: ما استطعت، إذن المسألة لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.طالب: إذن، المتيسر من السلاح؟الشيخ: لا، ما نستطيع، ما إحنا نقول: متيسر، يجي إذا قلت له: المتيسر، قال: طيب، أنا ببذل في أشياء تافهة ملايين الملايين، ولا أبذل في الحرب شيئًا، والله هذا المتيسر.لما يدخل الرفاهية على الشعب، وخلي الشعب اللعاب هو يدفع ديته، لكن مَا اسْتَطَعْتُمْلازم يكون بقدر المستطاع من قوة.طالب: ما تيسر شيخ (...)؟الشيخ: إي نعم، هم الآن سبقونا بمراحل، لكن، ألا يمكن أن نتعلم؟! ألا يمكن أن نشتري منهم ما استطعنا؟! وإن كانوا هم بالحقيقة يلعبون علينا؛ اللي في الخزائن الخربانة اللي بيروح يصرف عليهم يجون يبيعون علينا، ثم إذا جم يبيعون سببوا مشاكل بيننا؛ لأن هذا السلاح ما ينفد إلا إذا كان فيه مشاكل واقتتال بيننا راحوا يُسوِّقونه علينا، فهم خبثاء، هم لا يريدون السِّلم أبدًا، لو حصلهم اقتحموا العالم، لكنهم أذكياء، يقول: لما تقدمنا هذا التقدم الباهر بالصناعة والسلاح وغيره، إحنا يجب (...) أن السلاح اللي كنا بالأول أعددناه وصار وقته الآن من جنس السكين والعصا (...) هذا يجب نعطيه هذا والمساكين؟ يسببوا مشاكل ونخليهم يتقاتلون، هذا دأبهم، وهم لا يلامون على عملهم، ويش يعملون بنا؟ لو يخلونا نقوى مثل قوتهم يمكن ما نحاربهم بس، إذا طبقنا الإسلام فإن قومهم سيأتون إلينا ويدَعونهم، يخلونهم في المتاحف لكن يعرفونهم.طالب: لكن يا شيخ، النصر من عند الله، أليس كذلك؟الشيخ: بلى، لكن له أسباب.الطالب: (...).الشيخ: له أسباب، هؤلاء لو قعدوا ما استفادوا شيئًا، لا بد من سبب.***
الطالب: لقد أمر الله أن تؤدى إلى أهلها بأن يُجْعَل فيها الأَكْفاء لها، وكل ولاية لها أكْفاء مخصوصون، فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتَوَلِّين والرؤساء فيها والمدبرين لها والعاملين عليها.الشيخ: وهذا أيضًا من السياسة، أن نُوَلِّي كل عمل ما مَنْ يختص به، فلو أننا أردنا أن نُوَلِّي شخصًا من متخرجي كلية الشريعة ليكون قائمًا بتدريس كلية الهندسة، كلية الهندسة نأخذ منهم واحد يدرس في كلية الشريعة، يصلح؟ لا، حسب الاختصاص ما يصلح.تؤدى الأمانات إلى من؟ إلى أهلها الذين يمكن أن يقوموا فيها ويؤدوا الأمانة فيها، ولكل مقام مقال، لو جئنا بعجين نريد أن نصنع منه خبزًا، فهل نعطيه المرأة ولّا الرجل؟طالب: المرأة.الشيخ: المرأة.طالب: (...).الشيخ: لا، إحنا بنضرب مثلًا على الطريقة الأولى أن الرجال ما يعرفون يأخذون خبزًا يخبزونه نعطيه من؟ المرأة، لو يحتج علينا الرجل ويقول: أنا صاحب الولاية عليها نقول: لكن، ما لك اختصاص بهذه الأشياء.فالحاصل أننا نقول: إن الآية -سبحان الله العظيم- أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، ما نجعل عالمًا بالفقه يدرس في النحو إذا كان ما يُحسنه، أو العالم بالنحو يدرس في الفقه إذا كان لا يُحسنه، هذا ما يمكن، خيانة تعتبر، إي نعم.إذن هذه سياسة ولّا لا؟ هذه من أعظم السياسات لو أن ولاة الأمور لاحظوها وجعلوا كل إنسان له اختصاص بعمل يَشْغَل هذا العمل، ليس من الحكمة والسياسة أن يأتي خريج كلية شريعة أنفقت عليه الحكومة ما أنفقت من الأموال ثم ييجي يروح (...) عمل كتابي، هذا ضياع للوقت وضياع للمال وضياع للرجال وللأعمال، العمل الكتابي كل واحد يستطيع يعمل فيه، يمكن يجيب واحد من الشارع أحسن من هذا يتصرف، وإذا طبقنا هذه الحال على الآية وجدنا أنها تضييع للأمانة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨].لكن هذا الذي متخرج من كلية الشريعة لو قلنا له: تعالى صير كاتب آلة، أو ما أشبه ذلك يفرح ولّا لا؟ يفرح، أتدرون لماذا؟ لأنه يمكن نصف اختباره بالغش، وإذا صار بالغش معناه ما عنده حصيل، ولو وقف يدرس مثل الطلبة كان يغلبونه، يجيبوا له السؤال صغير (...) يقف، حيران؛ ولهذا ينفر بعض الناس المتخرجين ينفرون من عمل التدريس، والسبب في ذلك أنهم مخفقون، ما نجحوا إلا بطريقة غير سليمة، فلذلك كانوا لا يريدون أن يعملوا.***
الطالب: ويجب تولية الأمثل فالأمثل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [سورة القصص: الآية ٢٦]؛ فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة، وضده بضده، ثم أرشدهم إلى الحكم بين الناس بالعدل الذي ما قامت السماوات والأرض إلا به، فالعدل قِوام الأمور.الشيخ: يجب تولية الأمثل فالأمثل، الفقهاء رحمهم الله ذكروا شروطًا للقضاة، ذكروا شروطَ القاضي عشرة، الشروط هذه لو فتشت في وقتنا الحاضر من تنطبق عليه ما وجدت أحدًا، لكن قال حَبْر زمانه شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يُوَلَّى الأمثل فالأمثل، حتى إنه يولى أعدل الفاسقين إذا لم نجد عدلًا، ولو كان فاسقًا نوليه، ما ندع الأمور تذهب بدون ولاية فينظر الأمثل فالأمثل، ومن كان أمثل في القيام بهذا العمل وَوُلِّيَ عليه من هو دونه كان ذلك خيانة.***
الطالب: فالعدل قِوام الأمور وروحها وبفقده تفسد الأمور، والحكم بالعدل من لازِمه معرفة العدل في كل أمر من الأمور، فإذا كان المُتَوَلُّون للولايات هم الكُمَّل من الرجال والأكْفاء للأعمال وجَرَتْ تدابيرهم وأفعالهم على العدل والسداد مُتَجَنِّبين للظلم والفساد ترقت الأمة وصَلَحت أحوالها وتمام ذلك في الآية الأخرى التي أمر الله فيها بطاعة ولاة الأمور، فهل يوجد أكمل وأعلى من هذه السياسة الحكيمة التي عواقبها أحمد العواقب؟الشيخ: طاعة ولاة الأمور لكنها تبعٌ لطاعة الله ورسوله، كما يشير إلى ذلك قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل قال: (وأولي الأمر)، وهذا يدل على أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، وعليه فإذا أمروا ولاة الأمور بأمر فيه معصية لله ورسوله فإنهم لا يطاعون، وإذا أمروا بأمر فيه طاعة الله ورسوله فإنهم يطاعون من وجهين: أولًا أن هذا من طاعة الله ورسوله، والثاني أنه من طاعة ولاة الأمور، وإذا أمروا بأمر ليس فيه طاعة ولا معصية وجبت طاعتهم.وهذه هي النقطة التي يجب أن نركز عليها وإلا لو قلنا: إنهم لا يطاعون إلا فيما هو طاعة لكانوا كغيرهم من الناس حتى الواحد من الناس إذا أمرك بطاعة الله كان أمره مطاعًا، لا لأمره ولكن لأنه طاعة الله، ولهذا يجب علينا أن نطيع ولاة الأمور فيما نظموه لمصلحة الأمة وإن لم يكن طاعة لله ورسوله في ذاته إلا إذا كان معصية.وأما قول بعض الجهال: نحن ما نطيعهم إلا إذا كان هذا مما أمر الله به، فهذا مصادرة للنص، مصادرة لدلالته ومصادمة له أيضًا، فالله أمر بطاعة ولاة الأمور إلا في المعصية.وظاهر قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ [النساء: ٥٩]، أنه ما دامت إمرتهم باقية فلهم الطاعة، ولا يشترط في ذلك أن يكونوا عدولًا، بل حتى لو رأينا من بعضهم ما هو معصية فإنه تجب طاعته، ما نقول: والله ما نطيعه إلا إذا أطاع الله هو، أبدًا، أطعه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ما لم يأمر بمعصية الله؛ ولهذا تجد هؤلاء الذين نعتبرهم سفهاء خرجوا على ولاة الأمور بمجرد أنهم رأوهم فسقة، ماذا حصل؟ حصل من الشر والفساد ما هو أعظم مما كان عليه هؤلاء الولاة.اقرأ التاريخ من حين حصل الاختلاف على الأئمة إلى يومنا هذا تجد الشر والفساد كله في الخروج على ولاة الأمور، ماذا حصل مِنْ قَتْلِ عثمان رضي الله عنه، ومِنْ قَتْلِ علي بن أبي طالب، وَمِنْ قَتل من قُتل من بقية الخلفاء حصل الشر والفساد، حتى أولئك السفهاء الذين خرجوا على ولاتهم واستحلُّوا كراسيهم وسموها ثورة وما أشبه ذلك، ماذا حصل؟ هل أصلحوا الوضع؟ أبدًا، بل إن المتأمل يجد أن الوضع الذي كان في السابق خير مما هو عليه الآن، كل ذلك بسبب الخروج عن طاعة الله ورسوله، فلو أن هؤلاء أطاعوا الله ورسوله في الصبر على ولاة الأمور وطاعتهم في غير معصية الله لنالوا خيرًا كثيرًا.طالب: إذا رأينا من الفاسقين أشياء ما هو مخالفة، في الحقيقة مخالفات يعني (...) كيف التوجيه (...).الشيخ: حتى لو رأيتهم مثلًا يعصون الله في أمور فأطعهم، طاعتك إياهم خير لك وإثمهم على أنفسهم.الطالب: الواحد ينصحهم في شيء وينكر أو كمان يسكته (...) ما تتكلم.الشيخ: ما يخالف إذا كان ما يخلوني أتكلم ما أتكلم، أنصحهم فيما بيني وبينهم إن تمكنت، وإلا فأمرهم إلى الله.يُذْكَر أن بعض الخلفاء من بني أمية سمع كلامًا من الناس أنهم يقولون: ليش هذا الخليفة ما يكون مثل عمر بن الخطاب، مثل علي بن أبي طالب، مثل كذا مثل كذا؟ فجمع الناس، جمع الناس الوجهاء وقال لهم: يا جماعة، أنتم تبغون أكون لكم مثل عمر بن الخطاب، قال: نعم، قال: كونوا مثل الناس اللي في زمن عمر بن الخطاب، وأكون لكم مثل عمر بن الخطاب، فخصمهم خصمهم.وهذه من حكمة الله، «كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» ، ليس من الحكمة أن يأتي واحد مثل عمر بن الخطاب لقوم بينه وبين وقت عمر بن الخطاب مثل ما بين المشرق والمغرب.وجاء رجل من الخوارج إلى علي بن أبي طالب قال له: يا علي، ليش الناس راحوا عنك؟ لماذا لم يقبلوا عليك ويلتفوا حولك كما التفوا حول أبي بكر وعمر؟ قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك فخصمه خصمه.طالب: (...) تروى عن الحجاج قال (...) قال لهم (...).الشيخ: المهم إن هذه حقيقة، فالولاة الآن عليك أن تسأل الله لهم الهداية فيما حصل لهم من المخالفات، ولكن لا تثير الناس عليهم؛ لأنه ما يفيد أبدًا، ما يزيد الأمر إلا شدة.طالب: ليست بالحجة أنه قال: كونوا كالناس الذين كانوا في عهد عمر (...).الشيخ: أبدًا هذه حجة، هذه من حكمة الله مثلما قال ابن القيم وغيره يقول: الله حكيم جل وعلا، يُولي على الناس من كان مثلهم، وأنتم الآن لو رجعنا إلى هؤلاء الذين يريدون من حكامهم أن يكونوا كالخلفاء الراشدين لوجدنا عندهم من البغي والحقد والتنكر لكثير من الأمور اللي لا ينكرها الشرع شيء كثير، بل إن هؤلاء الذين ينقمون على حكامهم إذا تأملت أحوالهم وإذا غاية ما عندهم أن ينالوا المنصب فقط؛ لأنك ما تجد منهم التقوى الحقيقية والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل أبدًا، بل هم متساهلون في كثير من الأشياء، ويريدون أن يصلوا إلى المناصب فقط، وهذا أمر مشهور يعني: لمن اشتهر بهذا الشيء (...) الخروج على أئمتهم مشهور فيهم هذا الشيء، وأن الغالب منهم أنهم إنما يريدون الوصول إلى الكراسي، وهذا هو الواقع أيضًا، ولا حاجة بنا إلى أن نضع النقط على الحروف، ونقول: مثل كذا وكذا، فهذا أمر معلوم كانوا بالأول قاموا على من قاموا عليه يريدون أن يمكنوا حكم الله في الأرض، لكن صاروا شَرًّا من الأول، وهكذا.المهم أن السياسة الشرعية هي التمشي على أيش؟ على ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، ومن رأى من أميره ما يكره فليصبر.نعم، لو أمروا بمعصية -والعياذ بالله- ما نطيعهم، لو قالوا للناس: تعالوا اضربوا على العود، وغَنُّوا وارقصوا، قلنا لهم: لا، لا سمع ولا طاعة، أو قالوا: اظلموا الناس مثلًا، خذوا أموالهم، اضربوا أبشارهم ما أطعناهم في ذلك؛ لأن هذا معصية لله عز وجل.طالب: السكوت بالنسبة لبعض المعاصي، ما يضيع السنة؟ يعني: الجيل يكبر والجيل يكبر، والسُّنَّة تبقى مهددة (...)؟الشيخ: لا، أنا ما أقول: اسكت، أنا أقول: انصحهم وناصحهم، لكن لا تخرج عليهم؛ لأن فيه ناس الآن يريدون أن يخرجوا حتى يستولوا على (...) كما يقول العامة: (إذا ركبوا على البعير كسّروا العصا) خلاص.طالب: لا يحبون الناصحين.الشيخ: الله يهديهم ما علينا منهم، بس الله يهديهم، نسأل الله لهم الهداية.طالب: أحد الإخوان يقول: لو جاء حاكم مثل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لاستحقت ثلاثة أرباع الأمة أن تعدم في عز الظهر، لو جاء حاكم مثل عمر بن الخطاب لأعدم ثلاثة أرباع الأمة يستحقون الإعدام في عز الظهر (...).طالب آخر: ما حكم بعض الخطباء الذين يُشَهِّرون ببعض الأمراء إذا فعلوا بعض المعاصي يُشَهِّرون بهم..؟الشيخ: والله أرى أن هذا خطأ عظيم.الطالب: بعض الناس يقولون: إن هؤلاء لا تأخذهم في الله لومة لائم.الشيخ: وليس من الحكمة، اللي ما تأخذه في الله لومة لائم أنه يقف أمام الحاكم، وهذه أفضل الجهاد: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، يقف أمام الحاكم يقول: فَعَلْتَ كذا وكذا، وهذا خطأ، أمَّا أَنْ يُشَهِّر به في غيبته فهذا ليس بصحيح، ولا نُحَبِّذ ذلك إطلاقًا؛ لأن هذا هل سيزيل الشرَّ؟ سيزيد الشر، يوجب أن هؤلاء السامعين يحقدون على الولاة، ثم يعصون الله تعالى في مخالفتهم وعدم الانصياع لأوامرهم، والولاة يزيدون وربما يأخذون هذا الرجل اللي تكلم ويسكتونه مرة ما عاد يتكلم تاني أبدًا.طالب: (...) قال: إن لهم في ابن تيمية أسوةً حسنة.الشيخ: ابن تيمية ما راح يَسُبُّ الولاة أمام الناس، الإمام أحمد رحمه الله على أن المأمون آذاه وحبسه كان يدعو له أمام الناس.طالب: كان يقول: لو أعلم دعوة مستجابة (...).الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، لا بل يدعو له فعلًا.طالب: قوله تعالى عن قوم فرعون: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف: ٥٤] فكانوا مذمومين لَمَّا سكتوا على طغيان فرعون؟الشيخ: إي نعم، لماذا؟الطالب: الجمع بين هذا وهذا؟الشيخ: الجمع بينهم؛ أولًا: أن شريعتنا وردت بخلافه، الشيء الثاني: أن هؤلاء عندهم موسى عليه الصلاة والسلام، (...) دعاهم إلى الله وبَيَّن لهم الحق وقد اتبعه أناس ومن الممكن أن يكون له شوكة، لكنهم فسقوا باستخفافه إياهم.المهم إن هذه المسألة تختلف فيها الآراء، لكن الحكم فيها إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله يأمرنا أن نطيع ولاة الأمور في طاعة الله ما بقي كلام لأحد.***
الطالب: ومن الآيات المتعلقة بالسياسة الشرعية جميع ما شرعه الله من الحدود على الجرائم والعقوبات على المتجرئين على حقوقه وحقوق عباده، وهي في غاية العدالة والحسن وردع المجرمين والنكال، والتخويف لأهل الشر والفساد، وفيها صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم.والآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر والتكلم بالحق مع من كان وفي أي حال من الأحوال.وكذلك ما فيها من النهي عن الظلم فيه إرشاد للحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق، وفي الأمور التي لا محظور فيها.كما أن الحدود والعقوبات، والنهي عن الكلام القبيح، والفعل القبيح فيها رد الحرية الباطلة، فإن ميزان الحرية الصحيحة النافعة هو ما أرشد إليه القرآن، وأما إطلاق عِنان الجهل والظلم والأقوال الضارة للمجتمع، المُحَلِّلَة للأخلاق، فإنها من أكبر أسباب الشر والفساد، وانحلال الأمور والفوضوية المحضة، فنتائج الحرية الصحيحة أحسن النتائج، ونتائج الحرية الفاسدة أقبح النتائج، فالشارع فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية، تحصيلًا للمصالح، ودفعًا للمضار والمفاسد، والله أعلم.الشيخ: هذا صحيح فإن الحرية المطلقة لشخص ما تكون على حساب حرية غيره؛ لو أطلقنا لشخص الحرية: يا إخوانا أنا أريد أن أتمتع بأموال الناس ومساكنهم ومراكبهم وحتى زوجاتهم أيضًا، فيكون على حساب مَنْ؟ على حساب الآخرين، ولكن نقول: لك حرية فيما تملك فقط، وللآخرين حرية فيما يملكون، فالحرية الكاملة هي المَبْنِيَّة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد أحكم من الله وأعدل منه، وقد عدل سبحانه وتعالى في الحرية التي منحها لعباده فجعل لكل إنسان حرية لا يعتدي بها على حرية الآخرين وهذا ظاهر، هذه أيضًا من السياسات، فالحرية الظالمة الجائرة التي تمنع من التكلم بالخير والتحذير من الشر هذه لا شك أنها ظالمة، والإسلام يأتي بمحاربتها، والحرية الحقة التي تطلق لكل إنسان القول والعمل بما هو من حقه هذه حرية صحيحة نافعة، ولكل مقام مقال؛ لأن حتى وإن ملكنا نحن أن نتكلم أو أن نفعل وكان المقام يقتضي أن لا نقول ولا نفعل، فإننا لا نقول ولا نفعل ولا حرج علينا في ذلك.طالب: (...) السياسة الشرعية.الشيخ: أصلها السياسة مأخوذة من ساس الشيء يسوسه، والسائس في الأصل هو المتولي للحيوان، وسائس الحيوان الذي يدله ويقوم بمصالحه، فالسياسة الشرعية هي المَبْنِيَّة على الشرع، والسياسة الوضعية هي المبنية على القانون الوضعي.يقول بعض الناس: إن السياسة غير الدين، وإن الدين شيء والدولة والسياسة شيء آخر.ونقول لهم: كذبتم، فالسياسة الشرعية هي السياسة الحق، وقد جاء بها الإسلام، ومن أراد المزيد مِنْ ذلك فليرجع إلى كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وإلى كتاب الطرق الحكمية لتلميذه ابن القيم، فقد ذكر الرجلان من السياسة الشرعية ما تقوم به مصالح العباد والبلاد.طالب: (...) عبارة القانون (...)؟الشيخ: والله لا بأس بها؛ لأن القانون بمعنى الشيء الذي يسار عليه (...) معناه صحيح.***
طالب: بالنسبة لجواز السفر (...)؟الشيخ: على كل حال، أنت إذا كنت مضطرا؛ فالضرورات تبيح المحظورات، إن كان مضطرًا للسفر، إذا كان ما هو مضطر يبقى ولا..طالب: يعني حرام؟الشيخ: هذا شيء نظمته الدولة وأخذت فيه آراء العلماء أيضًا؛ العلماء أنفسهم هم اللي أفتوها بذلك.طالب: كشخص مثلًا قال له يعني..الشيخ: كشخص يقول لك: إذا كان ودك تسافر سافر وصور، ولّا اقعد ما أنت مسافر (...) يا امرأة أبدًا، شرط أنهم يردونها من الحدود.طالب: (...).الشيخ: لا لا، ما فيها صورة امرأة، الحمد لله؛ يعني: اللي تسافر فقط.طالب: (...) مكشوفة الوجه.الشيخ: على كل حال الحمد لله (...).طالب: (...).الشيخ: أحسن، لا لا خصوصًا (...).***
القاعدة الأربعون
في دلالة القرآن على أصول الطب
أصول الطب ثلاثة: حفظ الصحة باستعمال الأمور النافعة، والحِمية عن الأمور الضارة، ودفع ما عرض للبدن من المؤذيات، ومسائل الطب كلها تدور على هذه القواعد، وقد نبه القرآن عليها..الشيخ: ثلاثة قواعد استعمال النافع، والاحتماء من الضار، ورفع الضار بعد نزوله، ثلاثة أشياء.***
الطالب: وقد نَبَّه القرآن عليها في قوله تعالى في حفظ الصحة ودفع المؤذي: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١].فأمر بالأكل والشرب الذي لا تستقيم الأبدان إلا بهما؛ وأطلق ذلك ليدل على أن المأكول والمشروب بحسب ما يلائم الإنسان وينفعه في كل وقت وحال، ونهى عن الإسراف في ذلك، إما زيادة في كثرة المأكولات والمشروبات، وإما..طالب: (...) مقدم (...).
الشيخ: أن دفع المضرة مُقَدَّم على جلب المصلحة؛ فإن سَبَّ
آلهتهم لا شك أنه مصلحة، لكن سَبَّ الله أعظمُ.
وهناك قاعدة ثالثة وهي: أن الدين
الإسلامي جاء بتحصيل المصالح وتقليل المفاسد ما أمكن، هذه هي القاعدة التي سار
عليها هذا الدين، ويدل على هذا قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]؛ فالدين الإسلامي
جاء بتحصيل المصالح وتقليل المفاسد بقدر الإمكان.
طالب:
يعني: هذه جامعة للقواعد الثلاث؟
الشيخ: إي نعم، هذا
يجمع القواعد الثلاث.
طالب: هل يلزم منها قولنا -يا
شيخ- بالمصالح المرسلة؟
الشيخ: لا أبدًا؛ لأن المصالح
المرسلة الصحيح إنما هي ثابتة، وأن هذه المصلحة إن شهد الشرع لها فهي داخلة في
المصالح الشرعية، وإن لم يشهد لها الشرع أو شهد بقُبْحِها فليست بمصلحة، وإن ظنها
صاحبها مصلحة.
طالب: (...)؟
الشيخ: أبدًا، إحنا نقول: ما نثبت شيئًا، يعني: لا نثبت دليلًا
يسمى المصالح المرسلة؛ لأن إثباتها دليلًا مشكلة، يجينا كل إنسان يقول: هذه من
المصالح المرسلة، تحليل ربا البنوك من المصالح المرسلة، كما قيل به.
طالب: (...) المشركين.
الشيخ: هذا
اللي سبَّ آلهة المشركين مع سَبِّ الله عز وجل.
طالب:
(...).
الشيخ: أو مثلًا رجل يفعل منكرًا، لو نهيته عنه
لانتقل إلى منكر أنكر، نقول: خَلِّيه يبقى على منكره أهون، مثلما ذُكِرَ أن شيخ
الإسلام حين استولى التتار على الشام مر بطائفة من الجُنْدِ يشربون الخمر ويعبثون
باللهو ولم يقل لهم شيئًا، وكان معه صاحب له فقال له: لماذا لم تنه هؤلاء عن
المنكر؟ قال: لأني لو نهيتهم عن ذلك لتركوا هذا وذهبوا يَعِيثُون فسادًا في أعراض
المسلمين وأموال المسلمين وبقاؤهم على ما هم عليه من هذه المفسدة أهون من الاعتداء
على المسلمين وعلى حرماتهم.
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم (...)، لا تسألوني، أنا أسألكم.
***
القاعدة السادسة والثلاثون
طريقة القرآن: إباحة الاقتصاص من المعتدي ومقابلته بمثل عدوانه، والنهي عن ظلمه، والندب إلى العفو والإحسان
الشيخ: هذه ثلاث حالات: اقتصاص جائز، ظلم ممنوع، عفو وإحسان مطلوب، لكن هذا الأخير يجب أن يُقَيَّد بما إذا كان فيه إصلاح؛ لأن الله يقول: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، أما لو كان رجل مجرم فعل جريمته وقلنا: عفونا عنك، قال: الله يعافيكم، فأخذ العصا وذهب يضرب الناس، إحنا عفونا عنه في الأول عن ضربنا، فلما عفونا عنه ذهب يضرب الناس، هل في عفونا هذا إصلاح؟ لا.***
الطالب:***
القاعدة السابعة والثلاثون
اعتبر الله القصد والإرادة في ترتب الأحكام على أعمال العباد
وهذا الأصل العظيم: صرَّح به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .***
الطالب: وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٦٥]، وفي مقابله قال: رِئَاءَ النَّاسِ [البقرة: ٢٦٤].***
القاعدة الثامنة والثلاثون
قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه ومن تشوقت نفسه لأمر من الأمور إيجابًا أو استحبابًا
وهذه قاعدة لطيفة، اعتبرها الباري وأرشد عباده إليها في عدة آيات؛ منها: الْمُطَلَّقَة: فإنه لما كانت في الغالب مُنْكَسِرة القلب حزينة على فراق بَعْلِها، أمر الله بِمُتْعَتِها على الْمُوسِع قَدَرُه وعلى المُقْتِر قَدَرُه متاعًا بالمعروف.***
الطالب: وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليَصْرِمُنَّها مصبحين، وتواصَوْا ألا يَدْخُلَنَّها اليوم عليكم مسكين، وقال تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِإلى قوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦].***
الطالب: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وقد ذكر الله جَبْرَه لقلوب أنبيائه وأصفيائه أوقات الشدات، وإجابته لأدعيتهم أوقات الحاجات والضرورات، وأمر عباده بانتظار الفرج عند الأزمات، فهذا أصل قد اعتبره الله، وأرشد إليه، فينبغي للعبد أن يكون على باله في وقت المناسبات ويعتبره عند وجود سببه.***
القاعدة التاسعة والثلاثون
في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية
طريقة القرآن في هذا أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية، وإلى دفع المفاسد، ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وإخباره عن المؤمنين أن أمرهم شورى بينهم، فالأمر مفرد مضاف إلى المؤمنين، وفي الآية الأولى: قد دخلت عليه (أل) المفيدة للعموم والاستغراق، يعني: أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم واستجلاب مصالحهم، واستدفاع مضارهم مُعَلَّقٌ بالشورى، والتراود على تعيين الأمر الذي يجرون عليه.***
الطالب:***
الطالب: لقد أمر الله أن تؤدى إلى أهلها بأن يُجْعَل فيها الأَكْفاء لها، وكل ولاية لها أكْفاء مخصوصون، فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتَوَلِّين والرؤساء فيها والمدبرين لها والعاملين عليها.***
الطالب: ويجب تولية الأمثل فالأمثل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [سورة القصص: الآية ٢٦]؛ فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة، وضده بضده، ثم أرشدهم إلى الحكم بين الناس بالعدل الذي ما قامت السماوات والأرض إلا به، فالعدل قِوام الأمور.***
الطالب: فالعدل قِوام الأمور وروحها وبفقده تفسد الأمور، والحكم بالعدل من لازِمه معرفة العدل في كل أمر من الأمور، فإذا كان المُتَوَلُّون للولايات هم الكُمَّل من الرجال والأكْفاء للأعمال وجَرَتْ تدابيرهم وأفعالهم على العدل والسداد مُتَجَنِّبين للظلم والفساد ترقت الأمة وصَلَحت أحوالها وتمام ذلك في الآية الأخرى التي أمر الله فيها بطاعة ولاة الأمور، فهل يوجد أكمل وأعلى من هذه السياسة الحكيمة التي عواقبها أحمد العواقب؟***
الطالب: ومن الآيات المتعلقة بالسياسة الشرعية جميع ما شرعه الله من الحدود على الجرائم والعقوبات على المتجرئين على حقوقه وحقوق عباده، وهي في غاية العدالة والحسن وردع المجرمين والنكال، والتخويف لأهل الشر والفساد، وفيها صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم.***
طالب: بالنسبة لجواز السفر (...)؟***
القاعدة الأربعون
في دلالة القرآن على أصول الطب
أصول الطب ثلاثة: حفظ الصحة باستعمال الأمور النافعة، والحِمية عن الأمور الضارة، ودفع ما عرض للبدن من المؤذيات، ومسائل الطب كلها تدور على هذه القواعد، وقد نبه القرآن عليها..***
الطالب: وقد نَبَّه القرآن عليها في قوله تعالى في حفظ الصحة ودفع المؤذي: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١].